أسباب ضعف الثقة بالنفس عند الأطفال وكيفية العلاج
كُتب بواسطة: محمود أبوزيد | January 10, 2026
تتكون الثقة بالنفس لدي الطفل في مراحل مبكرة من حياته عندما يتلقي الحب والأمان من عالمه الأول وهو الأسرة، فثقة الطفل بنفسه تساعده علي تكوين شخصيته، كما تساعده علي فهم نفسه وعالمه وتكوين آرائه ومعتقداته، وتساعده علي عدم الإستسلام، وتكرار الفعل والتجربة في حالة الإخفاق أو الفشل.
لماذا نولي الثقة بالنفس اهتماماً خاصاً؟
الطفل الواثق بنفسه يميل إلى أن يكون أكثر مرونة أمام الضغوط، وأكثر استعدادًا للتعلّم، وأكثر قدرة على اتخاذ قرارات سليمة. كما تؤثر الثقة مبكرًا على الصحة النفسية والعلاقات المستقبلية وحتى الأداء الدراسي والمهني.
أسباب ضعف الثقة بالنفس عند الأطفال
1- قلة التشجيع عند الإنجاز
عندما يحقق الطفل إنجازاً ولا يجد عبارات تشجيعية تعزز من ثقته بنفسه فإن ذلك قد يضعف همته، وقد يشعر بأن إنجازه غير كافٍ في حين أنه قد يكون مناسباً لعمره، وقد ينسي الوالدين هذا الأمر أو يتجاهلانه ربما لصغر الإنجاز ولكن الإنجازات الكبيرة لا تتحقق دفعة واحدة بل تبدأ من الإنجازات الصغيرة أولاً.
إن التحقير من إنجازات الطفل تضعف ثقته بنفسه وتعيق رغبته في إنجاز أكبر مما قد يعيق نمو شخصيته ويجعله أقل مرونة في التعلم.
2- قلة الدعم عند الإخفاق
علي الجانب الآخر فإن النقد اللاذع والتوبيخ في حالة الإخفاق له تأثيراً سلبياً علي نفسية الطفل، حيث يضعف ثقته بنفسه، ويحد من رغبته في الإستمرار في عمل الأشياء، كما يؤدي إلي خوف الطفل من تجربة الأشياء الجديدة تجنباً للتعرض للنقد مرة أخري.
عندما نواجه فشل الطفل بإنتقاد اللاذع والإستياء فإننا نحمله ضغوط النتيجة بدلاً من التركيز علي الفعل، فيشعر الطفل بأنه فاشل وغير كفء، فيحاول العزوف عن أي تحدٍ يواجهه بدلاً من مواجهته.
3- الإنتقادات والمقارنات السلبية
يعد الإنتقاد الشديد لمستوي الطفل ومقارنته بغيره من أقرانه من الأسباب الرئيسية في ضعف الثقة بالنفس عند الأطفال.
فمثلاً عندما نقول له: “فلان أفضل منك”، “فلان أكثر تفوقاً منك”، “لماذا لم تصبح مثل فلان؟”.
كل هذه جمل تؤدي إلي الشعور بالدونية وضعف الثقة بالنفس، وتشعره بأنه فاشل. فبدلاً من تركيزه علي نفسه يتحول تركيزه إلي الآخرين ومقارنة نفسه بهم، في حين أن المقارنة الحقيقية هي أن نجعل الطفل يتحسن ويتفوق علي نفسه، ويقارن نفسه اليوم بنفسه أمس.
4- العبارات الهدّامة وعدم الثقة في تصرفاته
تؤدي العبارات الهدّامة والصفات السلبية إلي ضعف الثقة بالنفس عند الطفل، فعندما نوجه له عبارات وصفات مثل: “أنت فاشل”، “لا جدوي منك”، “أنت لا تتعلم أبداً”، “لا تحاول فأنت غير قادر”.. الخ، كلها عبارات تترك أثراً سلبياً في نفسية الطفل، وقد تختفي هذه العبارات في اللاوعي لسنوات، ولكنها قد تظل حاضرة في تأثيرها وتتسبب في ضعف شخصيته وضعف ثقته بنفسه وقد يستمر تأثيرها حتي بعد أن يكبر الطفل.
عندما لا يثق الوالدان في تصرفات طفلهما فإن الطفل يشعر بذلك من خلال كلمات وتصرفات والديه تجاهه، فيشعر بأنه عديم الفائدة وغير قادر علي فعل حتي الأشياء البسيطة وبالتالي تضعف ثقته بنفسه.
5- التنمر
بالرغم من وجود العديد من حملات التوعية للحد من التنمر، إلا أنه لازالت هناك مواقف تنمر يتعرض لها الطفل من أقرانه أو حتي المحيطين به من البالغين، ويؤدي التنمر إلي ضعف ثقة الطفل بنفسه، والشعور بالخجل من نفسه وضعف الأداء، وقد يؤدي أيضاً إلي انطواء الطفل وتجنبه للمواقف الإجتماعية المختلفة لخوفه من تعرضه للتنمر والسخرية من الآخرين.
وما قد يزيد الأمر تعقيداً عدم سؤال الأهل لأطفالهم عن أحوالهم، وما إذا كان هناك ما يضايقهم في المدرسة أو النادي مثلاً، وفي المقابل عندما يتعرض الطفل لسوء معاملة وانتقاد من الأهل فإن الطفل يمتنع عن مصارحة أهله بما يتعرض له، وتؤؤل الأمور في النهاية إلي ضعف ثقة الطفل بنفسه وإنطوائه.
6- المشاكل الأسرية
تعد المشاكل الأسرية من بين الأسباب المباشرة لضعف الشخصية لدي الأبناء، فعندما ينشأ الطفل في بيئة أسرية غير مستقرة تتذبذب أيضاً العلاقات بين الطفل والوالدين، يقل الدعم والتركيز اللذان يحتاجهما الطفل، تترك الخلافات الأسرية آثاراً سلبية في نفسية الطفل، يفقد الطفل الحب والإهتمام الضروريان لنمو شخصيته نمواً سليماً. وما قد يزيد الأمر تعقيداً أن يُطلب من الطفل التقرب من أحد الوالدين علي حساب الآخر، وقد يشعر الطفل أيضاً بأنه جزء من الخلاف الواقع بين والديه، وكلها عوامل تؤدي إلي ضعف ثقة الطفل بنفسه وتترك آثاراً سلبية في نفسية الطفل.
7- التوقعات العالية من الطفل
من أقوي الأسباب التي تؤدي إلي ضعف شخصية الطفل، أن يضع الوالدان توقعات وآمال عالية تفوق سن أو قدرات الطفل، والخطير في الأمر أن الوالدين قد لا يشعران بالضغط الذي يقع علي الطفل. قد يظن الوالدان أنهما يفعلان الصواب من أجل طفلهما فهما يريدان مصلحته، لكن هناك فرق بين تحفيز الطفل علي الطموح، وبين اختيار أهدافاً صعبة تفوق قدراته في مراحل عمره المختلفة، ونحاول دفعه إلي إنجاز قد يكون صعباً عليه تحقيقه، لأنه في حالة الفشل قد يفقد ثقته بنفسه ويشعر بأنه خيب ظن والديه.
8- المشاكل الصحية والجسدية
إن المشاكل الصحية والجسدية قد تترك شعوراً بالعجز لدي الطفل، وأنه مختلف عن غيره من أقرانه، أو تتسبب في الشعور بالخجل أو الخوف من المواقف الإجتماعية، أو قد تعيق تحصيله الدراسي وبالتالي يشعر الطفل بتأخره عن زملائه، وكلها عوامل تؤدي إلي ضعف ثقة الطفل بنفسه إذا لم يجد الطفل الدعم اللازم والرعاية الجسدية والنفسية اللازمة التي يحتاجها حسب مشكلته.
علاج ضعف الثقة بالنفس عند الأطفال
1- عبارات التشجيع والثناء
يحتاج الطفل إلي التشجيع في مسار حياته خصوصاً من الأسرة، فعندما يحقق الطفل نجاح أو إنجاز ما من الضرورى إعطائه المدح والثناء علي تصرفه واجتهاده، وتوجيه عبارات تشجيعية له تزيد من ثقته بنفسه، وتشجعه علي المزيد من العمل والمحاولة لتحقيق مزيد من الإنجاز وتطوير إمكاناته. ليس بالضرورة أن يكون الطفل قد حقق إنجازاً كبيراً حتي نشجعه ونمدحه، فالمدح حتي في إنجاز الأمور البسيطة يدعم ويعزز ثقته بنفسه ويشجعه علي إنجاز الأمور الأصعب مع تقدمه في السن.
ولكن من الضروري أيضاً إلي الإنتباه إلي عدم المبالغة في الثناء والمدح لأنه قد يؤدي إلي نتائج عكسية، فقط امدح الطفل عندما يحقق نجاح أو إنتصار كبيراً أو بسيطاً، لكن لا تمدحه بدون سبب ولا تمدح الصفات الثابتة فيه مثل الذكاء، فعندما تقوم بذلك فإن الطفل يقد يظن أنه ناجح بالفطرة، وأن النجاح سهل ولا يحتاج لمجهود أو صبر، وعندما يمر بتجربة اختبار حقيقي في عالمه خارج الأسرة ويخفق فإن ثقته بنفسه قد تهتز وتسبب له الإحباط، وهذا يقودنا إلي النقطة الثانية.
2- منحه الدعم النفسي اللازم
عندما يخفق الطفل أو يفشل في شئٍ ما، من الضروري دعمه ومساندته بدلاً من توجيه النقد اللاذع والسخرية، كما يجب تعليمه بأن الفشل شئ طبيعي وجميعنا نمر به، وأن المحاولة والإجتهاد والصبر تزيد من فرصة الوصول للنجاح والإنجاز، وأن تكرار الممارسة تحسن من الأداء.
فمثلا عندما يقوم الطفل بالرسم وتبدو النتيجة مجرد خطوط، لا يجب إحباطه أو الإستهزاء به، بل نقول: “رائع أنك حاولت، وفي كل مرة ترسم فيها يتحسن مستواك أكثر”.. وتجدر الإشارة هنا أنه ينبغي تجنب “الكمالية” في الحكم علي الطفل، وأن الجودة في عمل الأشياء نادراً ما تتحقق من المرة الأولي بل تتحقق من الممارسة والتكرار.
3- توفير بيئة أسرية آمنة ومستقرة
من الضروري توفير بيئة أسرية آمنة للطفل ومنحه الحب والدعم والتعاطف اللازم، فالطفل في مراحل عمره المبكرة يحتاج للحب ويحتاج للشعور بالأمان من أجل بناء شخصية سوية، وبناء ثقته بنفسه.
كما يجب أن يقوم الوالدين بحجب أي خلافات عن الطفل وتهيئة جو استقرار وانسجام وتوافق داخل الأسرة.
4- تعزيز الإستقلالية والقيام بالمهام
من الضروري إعطاء مهام بسيطة للطفل حسب عمره حتي يستطيع إنجازها، ثم نتابع ذلك ببعض المدح والثناء، كما يفضل تنويع المهام لتكون في مجالات عدة، ففي كل مرة يجتاز الطفل لمهمة يزداد شعوه بالثقة في نفسه، مثل:
- ترتيب السرير.
- المساعدة في تجهيز الطعام.
- ارتداء ملابسه بنفسه.
إنجاز المهام بنجاح يعزز أيضاً شعور الطفل بالإستقلالية والإعتماد علي النفس، ويجب الإنتباه إلي المهام التي أنجزها الطفل من تلقاء نفسه بدون تكليف منّا وتشجيعه عليها.
5- تعزيز المسئولية واتخاذ القرارات
عندما يمر الطفل بمرحلة أو موقف يحتاج لقرار، من الضروري مناقشته في الأمر وسؤاله عن رأيه، وما هو القرار المناسب لهذا الموقف، ثم إعطائه الوقت الكافي للتفكير والتعبير عن رأيه، ويكون دورنا في هذا النقاش هو التوجيه والتصحيح.
ويفضل منح الطفل الشعور بأنه هو من أخذ القرار، حتي لو كان القرار بتوجيه من الوالدين، لأن ذلك يعزز لديه الشعور بالثقة والمسئولية عن حياته.
6- تعليمه مهارات حل المشكلات
إن مهارة حل المشكلات من أهم المهارات التي تعزز ثقة الطفل بنفسه، فنقوم بتعليمه هذه المهارة بخطوات عملية وإعطائه أمثلة تطبيقية، ثم نعرض عليه نماذج لمشكلات ونطلب منه حلها لدعم فهمه وتطبيقه لهذه المهارة.
وتجدر الإشارة أنه يجب علينا سؤال الطفل بإستمرار عن شعوره وإذا ما كان هناك مشكلات يتعرض لها، ويجب تشجيع الطفل علي التحدث بحرية، ولا بأس في التدخل لمساعدته في حل مشكلات طالما تم إشراكه في حلها.
7- إشراكه في نشاطات جماعية
تعد الأنشطة الجماعية فعالة جداً في بناء شخصية الطفل، وتزيد من الذكاء العاطفي والإجتماعي لديه، وتكوين صداقات والتفاعل مع الآخرين، وكلها عوامل تساعد في تقوية ثقته بنفسه. ومن أمثلة ذلك: الإشتراك في النادي لمممارسة الرياضة، حضور الأنشطة في المدرسة، الألعاب الجماعية مع أقرانه .. الخ
8- تعليمه التعاطف مع النفس
اطلب من طفلك التحدث مع نفسه كما لو كان يتحدث مع صديق، فالتعاطف مع الذات يقوي الثقة بالنفس، مثل: “من الطبيعي أن أشعر بالحزن، لقد حاولت بقدر استطاعتي”.
كما أن هذه الطريقة تجنب الطفل جلد الذات والنقد الهدّام الذي يضر الطفل ولا ينفعه.
9- كن قدوة في الثقة بالنفس
الأطفال يقلدون ما يرونه، لذلك حاول أن تكن قدوة لطفلك في الثقة بالنفس، فمثلاً:
- تحدث بإيجابية عن نفسك.
- أظهر كيف تتعامل مع التحديات.
- قل: «هذا الأمر صعب، لكن يمكنني المحاولة»
10- التشجيع علي ممارسة موهبته
عندما نشجع الطفل علي ممارسة موهبته وممارسة ما يحب، تنمو موهبته ويزداد شعوره بالثقة، سواء كانت: الرسم، البرمجة، التصميم، الرياضة، الكتابة .. الخ.
حاول توفير الأدوات اللازمة له، وشجعه علي الإستمرار.
الخلاصة
الثقة بالنفس لدى الطفل تُبنى عبر مزيج من الحب، والحدود الواضحة، والفرص اليومية للنجاح واتخاذ القرار. العادات اليومية هي الوسيلة العملية لتحقيق هذا البناء: إصغاء، تشجيع على المحاولة، مسؤوليات مناسبة، بيئة أسرية مستقرة. بالاستمرار والصبر، سيتحول ضعف الثقة بالنفس لدي طفلك إلى أساس ثابت لصورة ذاتية قوية.